الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

40

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعطف وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ على فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ نهي عن نسبة الإلهية إلى أحد غير اللّه . فجمع بين الأمر والنهي مبالغة في التأكيد بنفي الضد لإثبات ضده كقوله : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى [ طه : 79 ] . ومن لطائف فخر الدين أن قوله تعالى : إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ جمع الرسول والمرسل إليهم والمرسل . [ 52 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 52 ] كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) كلمة كَذلِكَ فصل خطاب تدل على انتهاء حديث والشروع في غيره ، أو الرجوع إلى حديث قبله أتى عليه الحديث الأخير . والتقدير : الأمر كذلك . والإشارة إلى ما مضى من الحديث ، ثم يورد بعده حديث آخر والسامع يردّ كلا إلى ما يناسبه ، فيكون ما بعد اسم الإشارة متصلا بأخبار الأمم التي تقدم ذكرها من قوم لوط ومن عطف عليهم . أعقب تهديد المشركين بأن يحل بهم ما حلّ بالأمم المكذبين لرسل اللّه من قبلهم بتنظيرهم بهم في مقالهم ، وقد تقدم ورود كَذلِكَ فصلا للخطاب عند قوله تعالى : كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً في سورة الكهف [ 91 ] ، فقوله : كَذلِكَ فصل وجملة ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ الآية مستأنفة استئنافا ابتدائيا . ولك أن تجعل قوله : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ إلخ مبدأ استئناف عودا إلى الإنحاء على المشركين في قولهم المختلف بأنواع التكذيب في التوحيد والبعث وما يتفرع على ذلك . واسم الإشارة راجع إلى قوله : إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [ الذاريات : 8 ] الآية كما علمت هنالك ، أي مثل قولهم المختلف قال الذين من قبلهم لما جاءتهم الرسل ، فيكون قوله كَذلِكَ في محل حال وصاحب الحال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وعلى كلا الوجهين فالمعنى : إن حال هؤلاء كحال الذين سبقوهم ممن كانوا مشركين أن يصفوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأنه ساحر ، أو مجنون فكذلك سيجيب هؤلاء عن قولك : « فروا إلى اللّه ولا تجعلوا مع اللّه إلها آخر » بمثل جواب من قبلهم فلا مطمع في ارعوائهم عن عنادهم . والمراد ب الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الأمم المذكورة في الآيات السابقة وغيرهم ، وضمير